ها هي مناسبة الأربعين الحسينية العظيمة أطلت علينا وذهبت سريعاً، وبينما أعطت وما تزال تعطي هذه المناسبة ذلك الظلال الضخم من الحيوية والفاعلية في قلوب وعقول الأمة، وينظر العالم إليها كمحطة محتملة لتحول كبير على مستوى التوازنات الكبرى المهيمنة والحاكمة والمؤثرة في العالم، وبينما ذوي الفكر في العالم مشغولون في كيف يمكن أن تحول هذه المناسبة الشيعة في العالم ليكونوا رقماً صعباً فاعلاً على مسرح الحياة العالمية، هنالك من هو مشغول في حرب من نوع آخر، حرب التشكيك وإثارة الشبهات والإشكالات حول الكثير من الشعائر ومظاهر الطقوس الدينية.

والأمر الأشد غرابة هنا، أن يتم استغلال  مثل هذه المواسم والمناسبات الدينية التي تشكل محطة من محطات التزود الروحي بما يلزم من طاقة ومعنويات، في شن حروب التشكيك تلك .

فبدل إستثمار المناسبة الدينية في ضخ الروح و زرع الثقة وتعزيز الانتماء تشن حملات متواصلة للتشكيك و إثارة الشبهات و الإشكالات بكل الموروثات المتصلة ببعض طقوس الإحياء وتحت شعارات الترشيد و يافطات حماية التراث الديني الأصيل من البدع والممارسات الضالة والمضلة.

وفي الوقت الذي ننظر وينظر العالم في مناسبة عملاقة وضخمة كمناسبة الأربعين لننتهزها فرصة سانحة لنا كأمة ونحسن إستثمارها وتوظيفها بما يساعدنا على النهوض والتقدم خطوة للأمام كأمة تمتلك من قوة الكرامة والحضور ما يؤهلها للعودة لموقع الصدارة في قيادة البشرية والريادة في تقدم حضارتنا الإنسانية، تبدأ حروب التشكيك بالإنطلاق.

بينما يكفي نظرة فاحصة سريعة إلى هذه الحشود المليونية وهي تعبر على شكل أمواج بشرية هادرة لتعطينا الثقة بأنه لازالت في الأمة روح وحياة كافية وكفيلة بتصدر المشهد في مختلف ميادين جبهات الصراع في حضارتنا الإنسانية، ولكن بكل أسف شديد نصطدم في أن هناك من ينبري منا للقيام بوظيفة أخرى ولكن في الاتجاه المعاكس ليرموا بكل ثقلهم في توجيه ضربات موجعة في فكر وعقيدة الأمة خاصة أيام حضورها الكبير. 

وهم منشغلون ويشغلون الأمة في بعض التفاصيل القشرية التي لا تغني ولا تسمن من جوع والتي ربما تسهم في تشتيت جهد الأمة وتفتيت طاقتها في الإتجاهات الخاطئة المعاكسة بدل التفكير بعمق فيما يمكن أن يقوي جبهة الأمة وهي تمضي قدماً في إحتلال موقعها من الريادة والسيادة في المنطقة وحصتها المناسبة والملائمة من التأثير في العالم، لتصبح بعض ممارساتهم واطروحاتهم في اضعاف الثقة و إبعاد الشيعة عن المواقع التي يفترض أن يكونوا فيها في خارطة الحياة وقيادة الحضارة الإنسانية. 

ويعود ذلك لقصور في الرؤية وغياب المشروع الموازي لحجم استعدادات الأمة وحضورها واستعدادها كما يتضح من خلال هذا الحضور العملاق في الأربعين.

 ومما يزيد في هذه الظلامة أن يشارك بعض العلماء المحسوبين على الشيعة في هذه المنطقة، وربما بحسن نية، إلى تنظيم حملة قاسية من التشكيك في كل شيء، بدءاً من التشكيك في الكثير من الرؤى والأفكار التي قام عليها الفكر الشيعي منذ قرون، ومن الهجوم المتوحش ضد الطقوس والشعائر الدينية للطائفة، فيقول احدهم مثلاً أنه لا توجد رواية واحدة حول زيارة الاربعين، ويقول أحدهم أنه لا وجود للسيدة رقية، وآخر يصدح بلا وجود للسيدة خولة، ولا السيدة شريفة، ويخطب أحدهم محبطا المؤمنين من الزيارة بإسم الوباء والوضع الاقتصادي إذا لم يجد الجرأة الأدبية الكافية ولا الشجاعة في إنكار ما تعارفت عليه الأمة وعلماؤها وفقهاؤها العظام على مر التاريخ، ومعزوفات لكثيرين منهم لا تنتهي من التشكيك والإشكالات والشبهات وكأنهم يقودون حرباً لا هوادة فيها تحت عناوين التشذيب والتصحيح وحماية الدين وكأن الله عز و جل قد قام بتعيينهم أوصياء على دينه دون سواهم من الخلق.  

مع الاسف وهذه الثلة التي لا تحمل أي مشروع لنهوض حضاري ولا أية رؤية تصدي في ما يعصف بالأمة من تحديات يخاطبون في البحرين بها أحفاد قبيلة عبد قيس وهم العبديين في أوال الذين كانو سيوف أمير المؤمنين ”عليه السلام“، وناصري سيد الشهداء وأبي الأحرار الإمام الحسين ”عليه السلام“ وهم من المبادرين للبذل والعطاء بسخاء وكرم غير محدود دفاعاً عن دين الله عزوجل ومن السباقيين للتضحية بدمائهم من أجل حماية العقيدة، بعد إن كانوا أسرع من آمن برسول الله ”صلى الله عليه وآله وسلم“ و بدون تردد أو شك أو ريبة محتملة.

فأي حال وصلنا حتى يكون هؤلاء خلف للعلامة الشيخ حسين العصفور والعلامة الشيخ يوسف العصفور وغيرهم ممن كانوا مناراً للعلم والجهاد والتضحية والفداء من أجل رفعة وسمو دين الله تعالى وحماية دينه والعقيدة الإسلامية التي نزل بها الوحي الأمين وجاء بها نبي الله الأعظم محمد ”صلى الله عليه وآله وسلم“.

فعوضاً أن يحفزوا المؤمنين للتشبث بإطار عقيدتهم ومذهبهم الروحي والمعنوي في زمن التحديات الكبرى وأن يدعوهم لبذل أقصى ما لديهم لإحياء شعائرهم المتعارف عليها لقرون مديدة، وبدل حثهم للزيارة يقومون بإثارة التشكيكات تلو التشكيكات بذريعة التنقيح والتنقية، ويجعلون الأمة في حيرة شديدة حول ما يثار من تشكيكات و إشكالات و شبهات، و هم اليوم مشغولون بالغوص في أعماق تفاصيل يريد المتربصون بالشيعة صرف طاقاتنا فيها دون التفكير في مجابهة تحديات الريادة والسيادة والتقدم إلى مقدمة الركب في حضارتنا الإنسانية وما تتطلبه من أدوات وفكر وثقافة. فهم عوضاً عن كتابة بيانات تعظم المناسبات الدينية و تشجع الحضور والمشاركة فيها تراهم يقومون في أوقات المناسبة ذاتها بشن حروبهم التشكيكية بكل شيء حولها ، بل وتراهم مشغولون بإصدار البيانات عن بعضهم البعض في صراعات على النفوذ والوجاهة والأموال والحقوق.

أي مستوى متدني وصلنا اليه، يكاد أحدهم لا يستوعب حتى كلمة حب الحسين أجنني ويصرف بعضهم ثلاث ليالي من مناسبة جليلة القدر وعظيمة عند المؤمنين وهي مناسبة عاشوراء في تسخيفها ومحاولة نفيها، بينما كان يجب أن تمثل هذه المناسبة فرصة للحديث عن ما يمكن أن يسهم في صياغة فكر الأمة و وجدانها وشخصيتها حول المنهج والفكرة الأساسية التي تشكل خلفية المواجهة في يوم عاشوراء. وبما يمكن الحديث حوله من أهداف النهضة الحسينية وكيف يمكن استلهام الدروس والعبرة لمجابهة الأنظمة الفاسدة وكيفية التعاطي أو التعامل مع شرعية أي نظام سياسي.

علماء اختفى تماماً من قاموسهم وبياناتهم وخطبهم أي كلام أو مجرد إشارة لآية أو قصة عن الجهاد والتصدي وتحمل المسؤولية والشهادة في سبيل الله تعالى وتحمل كلف وأثمان الدفاع عن الدين والعدل والكرامة والحرية . و سبب ذلك و ببساطة لأنها قد تتسبب في إحراجهم و وضعهم في مواقع غير مرغوبة يتم فيها في العادة دفع الأثمان والكلف والتي ربما تحرجهم وتفضح واقعهم المبني على إدعاءات زائفة غير موجودة لا في الفكر ولا في السلوك بالحرص على الدين والعقيدة. 

كثيرون من أمثال هؤلاء الذين أصابتهم تخمة في النفوذ والوجاهة الزائفة بإسم دين الله تعالى يتمنون لو أن آيات القتال والجهاد في كتاب الله عز و جل غير موجودة، أو أن قصة سيد الشهداء الإمام الحسين ”عليه السلام“ لم تحدث بالفعل، فكم تسبب لهم آية (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) من إحراج، وكم تسقط من وجوه الكثرين منهم الأقنعة عندما يقرأون آية قتال أو قصة تضحية كبرى كالتي قدّمها سيد الشهداء ”عليه السلام“ من أجل حفظ الدين وحماية العقيدة من حملات التحريف والتشويه والتزوير.

وتبقى الحقيقة ساطعة بأن للأمة وعي كبير تستطيع من خلاله معرفة العلماء الربانيين دون سواهم حتى لو تزينوا بلباس التقى والورع ولكنهم في واقع الأمر هم من خوف السلطان وخسارة الجاه والنفوذ أكبر من الخوف والحرص على الدين والقيم وكرامة الإنسان، فضلاً عن أنهم بعيدين كل البعد عن ميادين البذل التي تعبر عن حقيقة ومعنى الشوق للقاء الله الجبّار الذي يعشق لقاؤه بلحية تخضب بالدماء بدل لحية طالما تبادلت القبل مع الطاغوت ويد صافحت و أقرت بذل و عبودية مبايعته لتعلن مبايعته والخضوع والاستسلام له.

الدكتور راشد الراشد

ارسال تعليق

آخر الأخبار

أكثر زيارة