شكّل مؤتمر "السلام والاسترداد" الدي عقد مؤخرا في مدينة اربيل العراقية (اقليم كردستان) اختراقا امنيا وسياسيا كبيرا وخطيرا للعراق كدولة مستقلة ذات سيادة، ابتداءاً من الاسم وانتهاء بالبيان الختامي.

فالمؤتمر عقدته منظمة اسرائيلية اميركية، اسمها "مركز اتصالات السلام" مقرها في مدينة نيويورك ويرأسها يهودي صهيوني اميركي اسمه جوزيف براودي، تدعو، من بين امور كثيرة، الى التطبيع مع اسرائيل والغاء قرارات المقاطعة العربية للكيان الصهيوني. 

ومما يؤكد هذا الاختراق ان رئيس المنظمة اعلن بصراحة ان التحضير لهذا المؤتمر استغرق سنوات. وهذا يعني انه ليس مؤتمرا عاديا، لان المؤتمرات العادية لا يستغرق الاعداد لها سنوات، كما ان هذه الفترة الطويلة استلزمت اجراء اتصالات كثيرة مع اشخاص عراقيين سيتم اعدادهم وتجنيدهم للمشاركة في المؤتمر كما يتطلب حركة سفر مكوكية بين العراق والولايات المتحدة وربما مرورا باسرائيل. ونفترض ان هذه كانت سفرات سرية  covert وباسماء مستعارة وذلك لخداع السلطات العراقية، او انها تمت بعلم وموافقة السلطات العراقية، وفي هذه الحالة سيكون الامر ادهى وامر. ولهذا لا يمكن النظر بجدية الى تصريحات السلطات العراقية الاتحادية ولا الاقليمية الكردية بانها لم تكن على علم بانعقاد المؤتمر. بل ان اقامة اي نشاط في الفنادق العراقية يتطلب الحصول على موافقة امنية مسبقة من الجهات المختصة. وهذا يعني احد امرين: اما انه تم خداع السلطات الامنية الاتحادية والاقليمية العراقية لتحقيق هذا الاختراق الامني، او ان هذه السلطات متواطئة اصلا من الجهات المنظمة والداعمة للمؤتمر. وبالتالي فان هذه الاختراق الامني كان متفقا عليه. 

لكن ماهو اخطر من الاختراق الامني هو الاختراق السياسي. ذلك ان "المزاج" الشعبي والرسمي في العراق رافض للتطبيع مع الكيان الصهيوني منذ عام ١٩٤٨ الى اليوم بغض النظر عن نوعية الانظمة التي تعاقبت على حكم العراق منذ ذلك التاريخ. والعراقي، على خلاف المصري او الاردني او المغربي او الاماراتي، لا يتقبل موضوع التطبيع مع اسرائيل. وينطلق هذا الموقف الحاسم من اعتبارات سياسية ودينية كثيرة. فالعراقي الشيعي على سبيل المثال تربى وعيه السياسي وفق فتاوى المرجعية الدينية الرافضة للكيان الصهيوني جملة وتفصيلا منذ مرجعية الامام الراحل السيد محسن الحكيم مرورا بمرجعية السيد الخوئي والصدرين واخيرا مرجعية السيد السيستاني. وهو موقف منسجم ايضا مع الموقف المبدئي للجمهورية الإسلامية ألايرانية وسوريا ولبنان. 

امتلك المشاركون في المؤتمر، من عملاء مجندين او مغفلين، جرأة غريبة بالدعوة علنا وصراحة الى التطبيع مع اسرائيل. ومع ان البارزين منهم سارعوا الى التنصل من الموتمر ومحاولة تبرئة انفسهم منهم، الا ان رد الفعل الشعبي الرافض والغاضب على المؤتمر اثبت فشل المؤتمر في تحقيق اغراضه. يمكن القول انه نجح في امر واحد وهو جس نبض الشعب العراقي من فكرة التطبيع مع الكيان الصهيوني، واستطاع منظمو المؤتمر والجهات التي تقف وراءه ان يعرفوا ان الشعب العراق يرفض التطبيع مع اسرائيل. وهذا يعني انهم سوف يواصلون بذل جهد  اكبر لتحقيق اختراق اكثر للمجال السياسي والاجتماعي العراقي لصالح اسرائيل والصهيونية. وهذا يتطلب تصعيد درجة الحذر للتصدي لمثل هذه المحاولات واجهاضها في مهدها.

ارسال تعليق

آخر الأخبار

أكثر زيارة