شهدنا يوم الخميس الماضي في اربيل انعقاد مؤتمر تطبيعي جمع بعض الشخصيات البعثية المعروفة من المحروقة ورقتها وعدد من زعماء العشائر السنية في محافظتي الانبار ونينوى، لخص الطلب على المناخ السني في غرب العراق وضرورة ذلك، وتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، للحاق بقطار الخزي والعار الذي تقوده كل من الإمارات والبحرين في بداية العلاقات العلنية مع الصهاينة.

عقد الاجتماع في اربيل برعاية مسعود بارزاني وجهاز الاسايش الامني فيما يشهد العراق والمنطقة احداث مهمة وسيرسم صورة مختلفة لتوازن القوى بين الفاعلين.

لا نبالغ إذا وصفنا ما حصل في أربيل مؤخرًا بأنه فضيحة من العيار الثقيل، للممولين والمنظمين والداعمين والمساهمين، ولا نبالغ إذا اعتبرناه ولد ميتًا، ولا نبالغ أيضًا إذا قلنا إنه أوضح وثبت حقيقة الموقف العراقي السياسي والشعبي والنخبوي من التطبيع مع الكيان الصهيوني، وفي ذات الوقت كشف خداع ونفاق وانهزامية وتخاذل بعض الأطراف.

هذه صورة اجمالية عامة لمؤتمر التطبيع مع الكيان الصهيوني، الذي عقد في الخامس والعشرين من شهر ايلول - سبتمبر الجاري، في مدينة أربيل بإقليم كردستان العراق، برعاية مركز اتصالات السلام الأميركي اليهودي، وتحت عنوان (السلام والاسترداد).

  وضمن إطار هذه الصورة يمكن أن نجد ونكتشف حقائق ومعطيات دامغة لا تقبل ولا تحتمل الكثير من الجدل والبحث والنقاش.

   وحينما نصف ذلك المؤتمر بالفضيحة من العيار الثقيل، فلأن الجميع تبرأوا منه حتى قبل نهايته، ومعروف أن أي عمل ايجابي لا يتنكر أصحابه له، بل على العكس من ذلك تمامًا، يفتخرون به ويعدونه انجازًا ومكسبًا لهم، والتنكر والتبرؤ يكونان من الفعل المخزي والشنيع.

  من تلوا البيانات وقرأوا الكلمات في المؤتمر، ومنهم رئيس مجلس الصحوات سابقًا وسام الحردان، ادّعوا أنهم لم يطّلعوا على موضوع وتفاصيل وهدف المؤتمر، وأنهم تفاجأوا بمضمونه وموضوعه، ومن استضافوا المؤتمر ووفروا له الإمكانيات والمتطلبات اللوجيستية والغطاء الأمني، ادعوا أنهم لم يعلموا بعقده مطلقًا، بينما تضمنت الكلمة الافتتاحية للمؤتمر شكرًا وتقديرًا للقيادة الكردية والأجهزة الأمنية الكردية على تسهيلها عقد المؤتمر وتأمين الحماية اللازمة لهم.

   وهل يمكن أن يصدق عاقل، دخول أكثر من ثلاثمائة شخص من ست محافظات عراقية لمدينة أربيل، وقبل ذلك، انشغال أكثر من جهة بالتحضير والتهيئة  للمؤتمر على مدى أسابيع، وحضور وسائل الإعلام وشخصيات كردية، دون علم رئاسة اقليم كردستان ولا وزارة داخلية حكومة الإقليم ولا الأجهزة الأمنية هناك، علمًا أن المواطن العادي من أي مدينة عراقية لا بد أن يخضع لاجراءات أمنية دقيقة قبل أن يدخل الى مدن الاقليم. فكيف بمؤتمر بهذا العدد من الحضور وبذلك القدر من الحساسية والخطورة؟

   ومن غير الواضح اذا كان تزامن عقد المؤتمر المذكور مع الذكرى السنوية الرابعة لاجراء الاستفتاء على انفصال اقليم كردستان عن العراق، كان عفويًا أم أنه جاء مقصودًا.   

   ومن شاركوا في المؤتمر من بعض شيوخ العشائر، سارعوا الى عقد مؤتمرات صحفية واصدار بيانات، تبرأوا فيها من المؤتمر، واتهموا وسام الحردان بخداعهم وتضليلهم، وقالوا "وجهت لنا الدعوة للحضور من قبل المدعو وسام الحردان على أنه مؤتمر لإرجاع المفسوخة عقودهم من الصحوات ولزيادة رواتبهم بالإضافة إلى ضمهم إلى المؤسسات الأمنية الحكومية، لكن الذي حصل أننا تفاجأنا بأن الموضوع مختلف تمامًا ولا علاقة له بالأسباب التي دعينا للحضور من أجلها.. لذلك نحمل المدعو وسام الحردان المسؤولية الكاملة قانونيًا وعشائريًا، ونؤكد أن لا صلة لنا بهذا الأمر من قريب ولا من بعيد، وموقفنا واضح ومعروف في دعم الشعب الفلسطيني لاسترداد حقوقه الكاملة ونحن ضد التطبيع".

   فضلًا عن ذلك، فإن القبيلة التي ينحدر منها الحردان، لم تتأخر في إعلان البراءة منه، وكذلك فإن وزارة الثقافة، أدانت مشاركة الموظفة التابعة لها سحر الطائي، في مؤتمر أربيل التطبيعي، وأكدت أنها لم تعلم بموضوع مشاركتها، وهذا ما فعلته أيضًا اللجنة الأولمبية العراقية بخصوص مشاركة الرئيس السابق لاتحاد الفنون القتالية سعد العاني، إذ أكدت في بيان لها أن المذكور، ترك الرياضة والعمل في المجال الرياضي، بعد أن غادر البلاد في عام 2007.

   إلى جانب ذلك، فإن الجهة المنظمة للمؤتمر، المتمثلة بمركز اتصالات السلام، التزمت الصمت، ولم تعلق بشيء، رغم ردود الأفعال وسيل المواقف الرافضة والمستهجنة للمؤتمر، إلا ما قاله رئيس المركز، الأميركي اليهودي من أصول عراقية، جوزيف برادوي،من أن "المؤتمر نجح في استقطاب نحو 300 شخصية عراقية (أكراد، وسنة، وشيعة)، من ست محافظات هي بغداد والموصل وصلاح الدين والأنبار وديالى وبابل"، ولكن من الخطأ أن يكون عدد الحضور وانتماءاتهم الى ست محافظات من مجموع ثماني عشرة محافظة عراقية، معيارًا كافيًا للتقييم الدقيق، ناهيك عن أن الإمارات، التي تؤكد مؤشرات ومصادر عديدة، أنها الممول والراعي والداعم الرئيسي للمؤتمر، لم تتوقع أن تكون ردود الأفعال بهذا المستوى، من نخب المكون السني، وربما السفر المفاجئ لرئيس مجلس النواب العراقي محمد الحلبوسي إلى أبو ظبي، بُعيد المؤتمر مباشرة، جاء لبحث تطويق واحتواء التداعيات السلبية التي أنتجها وسينتجها مؤتمر التطبيع لاحقًا.

   وسواء كان الهدف من المؤتمر هو إلقاء حجر في بحر الماء العراقي، أو بمثابة جس نبض، أو لإحداث ولو شرخ صغير في جدار الرفض العراقي للتطبيع، أو السعي إلى خلق فتنة داخلية، فإن الجواب جاء سريعًا وواضحًا وبليغًا وقويًا وحازمًا، من قوى وفاعليات وشخصيات سياسية ودينية وعشائرية وثقافية وأكاديمية تنتمي إلى - وتمثل - كل المكونات دون استثناء، على الصعيدين الرسمي وغير الرسمي.

   وتبقى فقاعة أربيل، حالها حال فقاعات أخرى سابقة، من قبيل زيارة نائب برلماني عراقي للكيان الصهيوني، أو مصافحة سياسي عراقي لسياسي صهيوني في محفل معين، أو إنشاء صفحة على موقع "فيسبوك" أو غيره للترويج لثقافة التطبيع بشكل بائس ويائس. فاجتماع ثلاثمائة شخص، جلهم نكرات لا قيمة  لها ولا تأثير، في مكان ما لقاء ثمن بخس، لا يعني شيئًا قبال ملايين ترفض رفضًا قاطعًا التطبيع بكل أشكاله ومظاهره وصوره.

نورنيوز/العهد

ارسال تعليق

آخر الأخبار

أكثر زيارة