الاستراتيجية الامريكية الجديدة لا تنظر لأوروبا بعين الرضا ولا تعتبرها قوّة موحدة، لذا فإن فرنسا، التي ما تزال تحلم بأوروبا الموحدة تحت قيادتها ضد رغبات البيت الأبيض، لن يكون لها مكانة محسوبة إلى جانب لندن وواشنطن في الغربلة الجديدة للقوى في النظام الدولي.

نورنيوز- الخميس الماضي، وقّع قادة امريكا وبريطانيا وأستراليا اتفاقية تعاون دبلوماسي وأمني وعسكري عبر منطقة المحيطين الهندي والهادئ تحت عنوان "أوكاس"، إجراء ترجمته فرنسا على أنه تصفية لها من ميزان القوى العالمية.

وبغض النظر عن التداعيات السياسية والاستراتيجية لهذه الاتفاقية الثلاثية على تركيبة القوى في النظام الدولي الحالي، والتي تهدف بوضوح إلى كبح جماح الصين، إلاّ أنها وجهت ضربة اقتصادية شديدة إلى جسد الاقتصاد الفرنسي الهشّ.

وبينما لا تمتلك الغواصات النووية إلا ست دول في العالم هي امريكا وروسيا وفرنسا والصين الهند وبريطانيا، إلاّ ان الاتفاقية التي اثارت غضب فرنسا واعتبرتها طعنة من قبل الحلفاء في الظهر، ستجعل عدد الدولة المالكة للغواصات النووية 7 دول.

حيث تسمح الاتفاقية لأمريكا وبريطانيا بتوفير الدعم التقني الذي يسمح لأستراليا ببناء 8 غواصات نووية، مما أدى إلى إلغاء عقد سابق لبناء وبيع الغواصات كانت قد أبرمته كانبرا مع باريس.

ففي العام 2016، وقعت فرنسا عقدا بقيمة 56 مليار يورو تقريبا مع أستراليا لتصميم وبناء 12 غواصة ضخمة تعمل بالديزل في غضون بضعة سنوات.

المثير للاهتمام والقلق بذات الوقت في هذه الاتفاقية لدول مثل الصين وروسيا، هو القدرة الهائلة للغواصات النووية على التخفّي مقارنة بغواصات الديزل، والتي يمكنها البقاء لعدة أشهر تحت الماء، دون الحاجة إلى إعادة التزود بالوقود، اضافة الى قدرتها على التحرك في الأعماق الهائلة لمدة طويلة والقيام بمهامها على أكمل وجه.

الاتفاق لم يشعل غضب فرنسا فحسب، الذي بان واضحاً بعد ان استدعت باريس سفيريها في كل من كانبرا وواشنطن وإلغاء محادثاتها الدفاعية مع بريطانيا، بل أثار موجة انتقادات حادّة أيضا من الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي.

حيث أصدرت السفارة الصينية لدى الولايات المتحدة بياناً حول الاتفاق، جاء فيه: إن مثل هذه الأعمال يجب ألا تستهدف وتضر بمصالح دولة ثالثة. كما وصف ممثل روسيا لدى المنظمات الدولية بيع الغواصات النووية الأمريكية إلى أستراليا بأنه "نموذج سيء للغاية" للدول غير النووية.

كما وصفت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في مقابلة مع قناة "سي ان ان" يوم الاثنين الماضي، معاملة فرنسا على هذا النحو بأنها "غير مقبولة" أبدا، وقالت: "عوملت إحدى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بطريقة غير مقبولة "نريد معرفة ما حدث ولماذا".

على الطرف المقابل؛ وصف الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن باريس بأنها "حليف رئيسي" تريد الولايات المتحدة "التعاون معه بشكل مباشر" في هذا المجال، كما ذكر رئيس وزراء أستراليا أن سبب تصرف بلاده ليس "تغيّر في الرأي" بل "تغيّر في الحاجة".

بناءا على ماسلف ذكره، على الرغم من أن بعض المحللين يرون أن اتفاقية "اوكاس" تعيدنا الى اجواء الحرب الباردة والاتفاقية الامنية-الاستخباراتية التي كانت تسمى "العيون الخمسة" (اوكسا)، والتي أُبرمت قبل 75 عاما بين الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا، ورغم انها تحمل طابعاً عدائياً ضد الصين التي أيقنت هذا الامر سرعان الاعلان عنها، لكن القصة تبدو معقدة أكثر مما يبدو عليه ظاهر الامر.

فالمسألة بدأت عندما عملت فرنسا في الفترة الأخيرة، خاصة بعد أفول نجم المستشارة الالمانية "أنجيلا ميركل" وتراجع دور الألمان في القارة الخضراء، على ملئ هذا الفراغ وانتهاز الفرصة لحمل راية اوروبا موحّدة ومستقلة، ارادت من خلالها رسم حدود في علاقاتها مع امريكا، وهو ما تجلّى عندما وقفت موقف المتفّرج من النزاع المحتدم بين واشنطن وبكين شرق آسيا.  

بتعبير أدقّ، إذا كان دعم ترامب الكامل للبريكست قد دفع الجميع منذ فترة طويلة إلى الاعتقاد بأن استراتيجية الولايات المتحدة تجاه أوروبا قد تحولت من شريك استراتيجي قوي في نهج متعدد الأطراف إلى جهة فاعلة مجزأة بشكل ضعيف في نهج أحادي، فإن فرنسا اليوم لن ترضخ لميول ورغبات البيت الأبيض، لتضيّع حلم أوروبا الموحدة تحت قيادتها، وتخسر مكانتها في الغربلة الجديدة للقوى العالمية الى جانب امريكا وبريطانيا.

في الواقع، ضعف أوروبا الشديد مقابل الولايات المتحدة على مرّ السنين، والتي لم يكن لديها تقريبا إرادة خاصة بها خلال تلك السنوات، وصل عمليا إلى النقطة التي يقوم فيها البيت الأبيض اليوم، بتجاهل مصالح أوروبا، وضم قوى جديدة تنسجم مع رغباته في النظام الدولي الجديد الذي يطمح إليه.

أبدت امريكا، بضربتها الأخيرة التي كلّفت فرنسا خسائرا بقيمة 56 مليار دولار في صفقة الغواصات مع استراليا، بعض التصميم على تنفيذ استراتيجيتها الجديدة، كما فعلت سابقا ببيع مقاتلات أمريكية من طراز "اف-۳۵ آ لایتنیغ-۲"  بقيمة 5.5 مليار دولار لسويسرا، ما ادى الى إلغاء صفقة بين برن وباريس لبيع منتجات شركة "داسو" الفرنسية لسويسرا.

انعدام الارادة الاوروبية على مر السنين كان مثالاً واضحا على مصير مجلس الأمن الدولي والمعاهدات الدولية الأخرى، فضلاً عن طردهم المهين من منطقة غرب آسيا انجراراً وراء القرار الأمريكي.

في غضون ذلك، حاولت فرنسا بطريقة ما استعادة مكانتها الضائعة من خلال زيادة تدخلاتها في الشؤون الدولية، لكن مع عدم كفاءة إيمانويل ماكرون في حلّ أزمة لبنان، فمن غير المرجح أن تكون بلاده قادرة على تحقيق ذلك الحلم. وخير دليل على المساعي الفرنسية اللاهثة للحصول على مكانة دولية، هو حضور ماكرون في اجتماع عقد مؤخرا في بغداد بدعوة من رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي.

في الحقيقة، لن تتمكّن فرنسا التي لم يكن لها حتى مع حليفتها الولايات المتحدة دور فعال في حلّ القضايا الدولية، خاصة في غرب آسيا، القوّة الكافية للعب مثل هذا الدور بمفردها على الساحة الدولية، والأولى بـ ماكرون أن ينصت لصوت الخبراء والمحللين من ابناء بلده، والأخذ بنصيحتهم بالتوجه نحو الداخل وحلّ المشكلات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية التي تغصّ بها البلاد.

وفقا لذلك؛ من الضروري تحذير دول المنطقة من أن وعود باريس لها لا يتعدّى كونه جانبا دعائيا وتكتيكياً أكثر من ان يكون حقيقيا وعملياً، لذلك لا ينبغي أن تحول نفسها إلى أدوات لدول عاجزة من قبيل فرنسا.

ارسال تعليق

آخر الأخبار

أكثر زيارة