بقلم الكاتب الصحفي رسول عبيــد الكربلائي- لم أكن اعرف أن الجنة تطأها أقدام الآباء الصالحين الذين أحسنوا عملا وكدحوا كدحا من اجل لقمة العيش في الصيف اللاهب والشتاء القارس يزقون الطعام في أفواه صغارهم كما يفعل العصفور، لكني أدركت هذه الحقيقة بعد أن كبرت وبلغت من العمر ما يجعلني أميز بين الصواب والخطأ.

ومرت الأيام ودارت السنين وإذا أنا رجل نبت شعر شاربي ولحيتي، متزوج ورزقني الله سبحانه طفلة كل ما نظرت إليها رأيت القمر ليله تمامه في بيتي ما أجملك يا فاطمة، ذات يوم أخبرتني زوجتي إن علبة الحليب قد نفذت والطفلة تصرخ من الجوع ماذا عساي أن افعل وليس هناك بديل لحليبها الطبي الذي وصفته الطبيبة لها، غارت عيناي في أم رأسي وودت لو أن الأرض تطوى لي ويكون غذاء فاطمة بين يدي لأطعمها أو يأتيني به احدٍ من الجن قبل أن يرتد لي طرفي، كل هذا بعد المنال خرجت مذعوراً من البيت على دراجتي النارية مسرعاً والتراب يتطاير من الشارع ويستقر في فمي وعيناي الغائرتان والرأس اشعث، لم أبالي بهذا وصلت إلى الصيدلية وطلبت وطلبت منه الحليب بالاسم وأحضرت بدل الواحدة اثنتين وعدت إلى البيت فرحاً وشربت فاطمة ونامت هنيئاً.

فأيقنت حينها ان للرجال نصيب من الجنة, وعرفت ثقل المسؤولية الملقاة على ظهر أبي وكم كان يعاني مع كل مولودٍ جديد يرزق به، فإذا كانت الجنة جزاءً له ثواب ما فعل فما جزاء الدنيا سيجازيه أولاده السبعة بإحسان وفي عنق كل واحدٍ منهم دين له لن يوفيه إلى يوم الدين، وماذا لو وفى احدهم دين أبيه وترك الباقين فرضهم، أتساءل ما جزاء من أنكر وما ثواب من وفى وشكر، ربما يجيب لسان حال كل والد ويقول أريد الجزاء الأوفى من الله ولا أريد شيئاً من أحد فمن أدى واجبه تجاهي فأدعو الله له بالتوفيق وحسن العاقبة وأما من قصر فادعوا له بالهداية.

ولعل الأمر يصبح محزن نهاية المطاف فالتضحيات والحنان الذي أفاضه الأبوان على أبنائهم لا يمكن أن يسترد، بمجرد أن بلغ الوالدان من الكبر عتيا وفقدا مصدر قوتهم واشتعل الرأس شيبا تجردوا من حكمهم للعائلة ولا يسمع كلامهم ولا يرد على سؤالهم وصار الحكم بيد صبيانهم، والأكثر من ذلك إما تنكد حياتهم من أحد الأبناء نزولاً عند رغبة الزوجة، لأنها ترى وجودهم مصدر قلق يهدد كيانها، أو أن يتركوا كأي قطعة أثاث قديمة في المنزل لا قيمه لها.

ولو تخلى الناس عن فعل ما هو فطري وموروث عبر الأجيال أو أرادوا أجراً جزاء ما قدموه لا بنائهم لما كانت هناك روابط أسرية بين العائلات وعزف الكثير عن الزواج وتكوين أسرة فلا يمكن قراءة الإنسان للأمور الغيبية وماذا سيحصل في المستقبل، أو بمقدوره معرفة الإنسان الصالح من غير الصالح فتلك هي فطرة الله التي فطر الناس عليها زرعوا فأكلنا ونزرع فيأكلون.

ارسال تعليق

آخر الأخبار

أكثر زيارة