في ظل آل خليفة لا يمكن توقع أي إصلاح سياسي حقيقي والحل في مواصلة النضال الوطني والإستمرار فيه من أجل إنتزاع الاستحقاقات الوطنية.

المشكل الأساسي في البحرين وكل ما عاناه الشعب منذ أكثر من قرنين ونيف من الزمن وما يزال هو وجود آل خليفة في الحكم وليس أي شيء آخر، ولذلك فإن إمكانية الحديث عن إصلاح النظام السياسي في ظل آل خليفة هو مجرد وهم كبير، فسلوك آل خليفة منذ مجيئهم وتمكينهم بريطانياً من السلطة والحكم وقيام دولة الميغا إستبداد ليس الا ، والنظام الشمولي والديكتاتوري لا يتمثل سوى في القمع وقسوة التعاطي مع الشعب وذلك بهدف الإخضاع وتحقيق السيطرة المطلقة والإستحواذ الكامل على السلطة والموارد والمقدرات.

 وهذا ما يجعل من أمر الإصلاح السياسي الجزئي والكلام حوله لنظام الهيمنة والتسلط لآل خليفة مهمة مستحيلة وغير ممكنة وكذلك غير واقعية. 

وهذه تجربة قرنين من الزمن من محاولات الشعب في الإصلاح لم تثمر عن أي تغيير ولو بأي مقدار، بل لم يقدم فيها آل خليفة أي تنازل إلا من أجل الالتفاف حول بعض حركة التغيير الشعبية والعودة بها إلى المربع الأول، كما حدث في جميع الإنتفاضات التي مرت في تاريخ البحرين السياسي المعاصر، بل تختزن الذاكرة الوطنية بوجع و ألم الأعداد الكبيرة من الضحايا الذين راحو ثمناً لجشع آل خليفة ورغبتهم الجامحة في السيطرة والهيمنة المطلقة على السلطة والمقدرات. 

منذ أكثر من قرنين من الزمن وتحديداً منذ اليوم الأسود المشؤوم من العام ١٧٨٣م عندما استولى آل خليفة على الحكم بالقوة والغلبة وباستخدام كل الوسائل البشعة في البطش والتنكيل تتحكم عقلية استحقاقات الغزو والمحافظة عليها كمكاسب لا يمكن التفريط بها ،

ولم يحدث قط أنهم قاموا بمحاولة أو مجرد محاولة لبناء نظام سياسي عادل ومنصف أو بناء دولة المواطنة التي تصان فيها الحقوق وتحمى فيها الحريات وعلى رأسها الحقوق والحريات السياسية.

وهكذا عندما تم لآل خليفة وبمساعدة الاستعمار البريطاني السيطرة الكاملة على مقدرات الأمور في البلاد، دخلت البحرين في أزمة سياسية خانقة لم تخرج منها حتى اللحظة تمثلت في النظام الشمولي المستبد وغياب الشرعية، وهي من إحدى أهم المعضلات الأساسية في البحرين.

إن عدم شرعية نظام الحكم تؤدي بطبيعة الحال إلى استحالة قيام دولة مدنية حقيقية تتجسد فيها قيم المواطنة وما يترتب عليها من مبادىء وحقوق سياسية ومدنية، كما يمنع بكل تأكيد وقوف آل خليفة وبيدهم السلطة وموارد الدولة لمنع أي تنمية سياسية أو أي تحول ناحية الدولة الديمقراطية وبناء دولة المواطنة وما ينتج عنها من إستحقاقات. 

وهكذا وبسبب نظام آل خليفة الشمولي تتواصل معاناة الشعب بأكمله اليوم من التغييب واحتكار السلطة، وكذلك سياسات التمييز والاضطهاد السياسي التي تقوم بها السلطة في البحرين بأبشع صورة وتمادي آل خليفة في إذلال واضطهاد الشعب، ويضاف إلى ذلك عدم وجود سلطة قضائية أو أي مكان ما يمكن أن يستريح إليه المواطن في حال الخلاف مع السلطة، بينما تفعل الأخيرة ما تشاء وفي أي وقت تشاء ضد أي مواطن تشاء وعلى قاعدة الغلبة لتفعل به ما تشاء وقتما تشاء دون رادع من ضمير أو أخلاق ودون أن تكون للضحايا القدرة على حتى الدفاع عن نفسها فضلاً عن القدرة على مقاضاة السلطة على جرائمها وفيما تمارسه من عمليات لقهر الشعب وإضطهاده بغية إخضاعه. 

وجرت طيلة القرنين الماضيين من الزمن محاولات حثيثة متواصلة لإصلاح العلاقة المختلة والتي لم تعرف الركون منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا بين العائلة المغتصبة للسلطة والشعب، وفشلت جميع تلك المحاولات وكان آخرها الفشل الذريع الذي إنتهت إليه قصة الميثاق الوطني والذي تم تدشينه بعد إنتفاضة شعبية عارمة طالبت بالإصلاح والتغيير السياسي وبما يوفر الحد الأدنى من حقوق المواطنة وهي إنتفاضة تسعينيات القرن المنصرم التي إنطلقت في نوفمبر ١٩٩٤ واستمرت لخمس سنوات متتالية والتي تمخض عنها بعد أنهار من الدماء ما عرف بالميثاق الوطني والذي كان يهدف في المقام الأول إلى معالجة أزمة شرعية نظام الحكم العالقة في المجتمع وتصحيح العلاقة المعكوسة بين الشعب والسلطة. لكن سرعان ما انقلب الحكم على الميثاق و انقض آل خليفة على فكرة إصلاح العلاقة المتأزمة والضاربة في الجذور بينهم وبين الشعب، حيث ظل السلوك السياسي لآل خليفة طيلة هذه الفترة الزمنية العتيدة يتسم بالغطرسة والتجبر وبما يعكس قدرا رهيبا وما يزال من الحقد والكراهية لأبناء الأرض الأصيلين، والتي راح نتيجتها المئات بل الآلاف من أبناء الشعب ضحايا جشع آل خليفة ورغبتهم الجامحة في السيطرة المطلقة على الحكم والسلطة. 

لقد فشل آل خليفة طيلة هذين القرنين من الزمن من التعايش مع أصحاب الأرض ومع مجتمع صغير متسامح ويتحلى بطيب الروح ودماثة الأخلاق لا يتجاوز عدد سكانه حتى اللحظة المليون نسمة.

وتوجت مسيرة حركة الشعب المطالبة بالتغيير والإصلاح السياسي ثورة ١٤ فبراير ٢٠١١ والتي طالبت ولأول مرة في تاريخ الصراع السياسي المعاصر والقائم في البحرين بإسقاط نظام حكم آل خليفة ووضع حد لسيطرتهم المطلقة على السلطة والموارد ووقف تحكمهم المطلق بالحكم والمقدرات، وهذا لم يحدث من فراغ بل جاء بعد أن أخفقت جميع المحاولات السابقة من تصحيح العلاقة بين آل خليفة كمغتصبين للسلطة والشعب للخروج من نفق أزمة شرعية نظام الحكم وتصحيح العلاقة المختلة بين السلطة والشعب. وكانت أقوى هبة شعبية عرفتها البحرين في تاريخها المعاصر والتي بدل أن تذهب بآل خليفة لمعالجة الموقف وإيجاد الحل السياسي الجاد والرصين لتصحيح العلاقة المختلة قامت بدل ذلك باللجوء إلى سلوكها المعتاد بالغطرسة وكان منها أن لجأت بدل إيجاد الحلول السياسية إلى إعلان الحرب ضد الشعب وقامت بالإستنجاد بالقوات الأجنبية من أجل قمع الشعب ومارست في ذلك أبشع صور البطش والتنكيل والتي وثقت بعض تفاصيله آلاف الصفحات في تقارير دولية يعتد بها، لتفرض بذلك سطوتها وسيطرتها على الحكم رغماً عن إرادة الشعب.

إن سلوك آل خليفة في التعاطي مع الشعب هو واحد لم يتغير والرسائل التي يبعثون بها في كل إتجاه هو أنهم لن يتنازلوا عن أي مقدار أو أي مساحة من السلطة والحكم لصالح الشعب، وأنهم مستعدون لأن يمضوا حتى نهاية الشوط من أجل الهيمنة المطلقة وإحتكار السلطة حتى و إن تطلب ذلك  اللجوء إلى إعلان الحرب ضد الشعب واستخدام أقسى درجات القمع وأعلى مستويات البطش والتنكيل وصولاً إلى حد الإسفاف والانحطاط الأخلاقي بهتك الأعراض وسفك الدماء وهو  الأمر الذي حدث تماماً في معالجة أحداث ١٤ فبراير ٢٠١١ لتنهي بشكل قاطع أي أمل في الحديث عن إمكانية المطالبة بإصلاح النظام السياسي القائم وترقيعه. ليبقى الخيار الوحيد أمام الشعب وقواه الخيرة هو إستمرار النضال الوطني من أجل إنتزاع الحقوق.

فالحقيقة المرة هنا إنه لا يمكن الحديث عن إصلاحات سياسية جزئية ترقيعية في نظام شمولي يقوم على أساس مقاومة ورفض أية حلول قد تسحب ولو جزءً بسيطاً من السلطة والنفوذ ويرفض جملة وتفصيلاً وبشكل قاطع أي كلام عن أية إصلاحات سياسية تفضي إلى المشاركة السياسية الحقيقية ويصر إصراراً شديداً على الهيمنة والسيطرة المطلقة على السلطة.

وهنا لا يمكن الحديث عن حكومة منتخبة أو دستور عقدي في ظل نظام حكم شمولي مستبد يتسم سلوكه بالتكبر والغطرسة والتعالي بشكل مفرط ويرى في نفسه طاووساً ليس له في الأرض شبيه أو مثيل وذات الهية مشحونة بالغرور بشكل فاحش لا يدس لها طرف ولا يمس لها جانب حتى و إن قام بأبشع الموبقات و ارتكب أشنع الجرائم من قبيل اغتصاب الشرعية والنهب والسرقة و حتى القتل واستباحة الحرمات وهتك النواميس والأعراض كما حدث منذ أيام الغزو الأولى وإستيلائهم بشكل غير مشروع على الحكم والسلطة وسيطرتهم المطلقة على المقدرات والموارد والتحكم في المجتمع وما قاموا به في معالجة أحداث ثورة ١٤ فبراير المجيدة.

ولا يمكن الحديث عن برلمان منصف وعادل يمارس دوره الحقيقي في التشريع والرقابة ويستطيع أن يكون ممثلاً تمثيلاً حقيقياً لإرادة الشعب والناس وسياج ضخم من القوانين المفصلة على مقاس الحكم التي تجعل من قبة البرلمان المقدّسة مكاناً لتجمع المتسلقين والمتملقين والمنافقين والأفاكين والمتزلفين وجسراً لوصول النفعيين ومنتجعاً للوصوليين الذين لا يسعون إلا لتحقيق مآربهم الشخصية ومصالحهم الذاتية. 

ولا يمكن الحديث عن سلطة قضائية يمكن أن تؤدي دورها في حفظ العدالة وحماية حقوق المجتمع في ظل من الهيمنة والسيطرة المطلقة على السلطة والدولة، وعلى أن تكون جهة يستريح إليها الوطن من عناء النهب والفساد واستلاب المقدرات والموارد أو فيما يقع عليه من ظلم وتمييز، ولا هي من الممكن أن تكون واحة أو مكاناً لمن طالهم التعذيب والممارسات الحاطة بالكرامة أن يتجهوا إليها كلما تعرضت لهم السلطة من خلال مرتزقتها ومأجوريها بالظلم والتعدي السافر على الحقوق والكرامة.

بل ولا يمكن الحديث حتى عن دستور عقدي يمكن أن يكون ذا مغزى وقيمة عندما يتم في المقام الأول تثبيث عرش السلطة لآل خليفة وكأنه قدر محتوم يتوارثونه أباً عن جد وكأن الدولة مجرد مزرعة خاصة وملك عضوض لا يمكن الحديث فيه عن دولة مواطنة تستوجب المساواة وحصول الجميع على حقوقهم السياسية والمدنية على قدم المساواة ودون منّة من أحد.

والخلاصة أنه لا يمكن الحديث عن أي من الإصلاحات والترقيعات الجزئية في نظام الحكم الشمولي وفي البحرين على وجه الخصوص مالم تحل المشكلة الأساس القائمة بالفعل والمتمثلة في السيطرة والهيمنة المطلقة لآل خليفة على الحكم والسلطة والموارد والمقدرات والوصول إلى نظام سياسي يحفظ كرامة المواطن ويصون قيم ومبادئ دولة المواطنة الحقة التي تصان فيها جميع الحقوق المدنية والسياسية، وذلك من خلال مواصلة النضال الوطني والإستمرار فيه من أجل إنتزاع الإستحقاقات الوطنية والتي عندئذ يمكن الحديث أو الكلام فيها عن إصلاحات سياسية تسهم في تطوير نظام الحكم والارتقاء به يما يعزز حقوق ومكتسبات المواطنة، ولكن ليس في ظل نظام شمولي يصر على الإستبداد والهيمنة والسيطرة المطلقة على السلطة والموارد والمقدرات.

الدكتور راشد الراشد

ارسال تعليق

آخر الأخبار

أكثر زيارة